فوزي آل سيف
37
أعلام من الأسرة النبوية
ولم يبقَ الا ان يكون أبو طالب مؤمنًا وكتم إيمانه فأقره النبي على نكاحه وأوتي في ذلك اجره مرتين –أجر الإيمان وأجر الكتمان- لان الكتمان من الأمور الصعبة. فإننا نرى المؤمنين الذين يعيشون في أجواء معادية لهم يعانون معاناة عظيمة فهو مضطر للتقية إذ لا يستطيع أن يعبد ربه بالطريقة التي يراها صحيحة وكاملة، وهو مترقب وحذر ألّا يكشف أمره (دينه أو مذهبه) بينما لا يعانيها الإنسان الذي يظهر إيمانه (عقائده وشرائعه) ويعيش في جو اعتيادي ولا يخاف من أحد!. الفقير الذي ساد قريشا: ماساد قريشاً فقيرٌ ولقد سادهم أبو طالب.[110] فإنه حتى عبد المطلب والده لم يكن فقيراً بل كان أشبه بتاجر متوسط، ولكن المعروف أن أبا طالب كان قليل المال، وشاهد ذلك قضية الرفادة والسقاية وكيف انتقلت منه إلى العباس أخيه، فإنه " لَمَّا صَارَ أَمْرُ السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ اقْتَرَعُوا فَخَرَجَ سَهْمُ هَاشِمٍ فَوَلِيَ ذَلِكَ وَقَامَ بِهِ، فَلَمَّا مَاتَ هَاشِمٌ بِغَزَّةَ قَامَ بِأَمْرِ السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ بَعْدَهُ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ أَخُوهُ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ المطلب قام بذلك عبد المطلب بن هَاشِمٍ ثُمَّ ابْنُهُ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ثُمَّ أبو طالب بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ إِنَّ أبا طالب أَمْعَرَ وَاخْتَلَّتْ حَالُهُ فَعَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ فَاسْتَسْلَفَ مِنْ أَخِيهِ الْعَبَّاسِ بْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِلنَّفَقَةِ عَلَى ذَلِكَ عَشْرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ سَأَلَهُ سَلَفَ خَمْسَةَ عَشرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَوْ قَالَ أَرْبَعَةَ عَشرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: إِنَّكَ لَنْ تَقْضِيَنِي مَا لِي عَلَيْكَ فَأَنَا أُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَ عَلَى أَنَّكَ إِنْ لَمْ تُؤَدِّ إِلَيَّ مَالِي كُلَّهُ فِي قَابِلٍ فَأَمْرُ هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ مِنَ السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ إِليَّ دُونَكَ وَالْمَالُ لَكَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْمَوْسِمُ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ازْدَادَ أبو طالب عَجْزًا وَضَعْفًا لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ تُمْكِنْهُ النَّفْقَةُ وَلَمْ يَقْضِ الْعَبَّاسُ مَالَهُ، فَصَارَتِ السِّقَايَةُ وَالرِّفَادَةُ إِلَيْهِ. وَكَانَ لِلْعَبَّاسِ كَرْمٌ (بستان عنب) بِالطَّائِفِ يُؤْتَى بِزَبِيبِهِ فَيُنْبَذُ فِي السِّقَايَةِ". [111] هذا يبين لنا أن أبا طالب لم يكن صاحب مال ولكنه صاحب شخصية وزعامة في قريش وبهذه الشخصية والحضور الاجتماعي القوي استطاع أن يحمي ابن أخيه رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن أجل الاحتفاط بهذا الحضور القوي، لا بد أن يخفي إيمانه، وإلا فإنه سيكون على خط المواجهة الصريحة معهم، وسيفقد قوة تأثيره فيهم! إننا نلاحظ أن كفار قريش كانوا يتعاملون معه في بداية الأمر على أساس أنه محل شكواهم، وأنهم ينتظرون منه أن يمنع ابن أخيه من (الاعتداء على آلهتهم ونظامهم الاجتماعي) ويطلبون منه الحل.. ولذلك عندما بعث النبي جاؤوا الى أبي طالب وقالوا:إن ابن اخيك سفه أحلامنا وعاب آلهتنا[112] فمُرهُ ليكف عن آلهتنا! بل جاؤوا ليعقدوا معه اتفاقية تبادل!! تنص على إعطائه إياهم النبي ليقتلوه مقابل مقابل إعطائهم إياه عمارة بن الوليد يكون مكانه! فقال أبو طالب:عجب آخذ ابنكم حتى أغذوه لكم وأعطيكم ابني حتى تقتلوه![113]
--> 110 ) ابن ابي الحديد ؛ شرح نهج البلاغة 1/29: " وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء وشيخ قريش ورئيس مكة قالوا قل أن يسود فقير وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له وكانت قريش تسميه الشيخ." 111 ) البلاذري ؛أحمد: أنساب الأشراف 4/ 15 112 ) في الكافي 2/ 649 عن أبي جعفر عليه السلام قال: أقبل أبو جهل بن هشام ومعه قوم من قريش فدخلوا على أبي طالب فقالوا: إنّ ابن أخيك قد آذانا وآذى آلهتنا فادعه ومره فليكفّ عن آلهتنا ونكفّ عن إلهه، قال: فبعث أبو طالب إلي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله) فدعاه، فلما دخل النبيّ صلى اللّه عليه وآله لم ير في البيت إلّا مشركا فقال: السَّلٰامُ عَلىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدىٰ ثمّ، جلس فخبّره أبو طالب بما جاءوا له فقال: أوَ هل لهم في كلمة خير لهم من هذا يسودون بها العرب ويطئون أعناقهم؟ فقال أبو جهل: نعم وما هذه الكلمة؟ فقال: تقولون: لا إله إلا اللّه، قال: فوضعوا أصابعهم في آذانهم وخرجوا هرابا وهم يقولون: ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلّا اختلاق فأنزل اللّه تعالى في قولهم: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ- إلى قوله- إِلَّا اخْتِلٰاقٌ.. 113 ) ابن سعد ؛ محمد: الطبقات الكبرى 1/202 ؛ "..فمشوا إلى أبي طالب حتى دخلوا عليه فقالوا أنت سيدنا وأفضلنا في أنفسنا وقد رأيت هذا الذي فعل هؤلاء السفهاء مع بن أخيك من تركهم آلهتنا وطعنهم علينا وتسفيههم أحلامنا وجاؤوا بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا قد جئناك بفتى قريش جمالا ونسبا ونهادة وشعرا ندفعه إليك فيكون لك نصره وميراثه وتدفع إلينا ابن أخيك فنقتله فإن ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مغبة قال أبو طالب والله ما أنصفتموني تعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابن أخي تقتلونه ما هذا بالنصف تسومونني سوم العزيز الذليل!!